ابن عربي
28
الفتوحات المكية ( ط . ج )
كان يجول في ثنايا اللغة والتاريخ والفن ، أو حينما كان يغوص في أعماق الروح والوجدان . ولنستمع إليه قليلا ، بلغته الرمزية الساحرة ، في ختام هذا الفصل الجليل ، كيف يفهم مشكلة التشبيه والتجسيم ، ولماذا وردت على لسان الشرع الشريف : « لمَّ تعجب المتعجب ( إقرأ : أجل ! ( 1 ) لقد تعجب المتعجب الذي هو الملك ) ممن خرج على صورته ( 2 ) ( وهو آدم ، رمز الإنسان الكامل ! ) وخالفه في سريرته ( 3 ) . ففرح بوجوده . وضحك من شهوده . وغضب لتوليه وتبشبش لتدليه . ونسي ظاهره . وتنفس فأطلق مواخره . وثبت على ملكه . وتحكم بالتقدير على ملكه . فكان ما أراد . وإلى الله المعاد ! » « فهذه أرواح مجردة ، تنظرها أشباح مسنّدة . فإذا بلغ الميقات ، وانقضت الأوقات ، ومارت السماء ، وكورت الشمس ، وبدلت الأرض ، وانكدرت النجوم ، وانتقلت الأمور ، وظهرت الآخرة ، وحشر الإنسان وغيره في الحافرة ، - حينئذ تحمد الأشباح وتتنسم الأرواح ، ويتجلى الفتاح ، ويتقد المصباح ، وتشعشع
--> ( 1 ) - غالباً ما يستعمل ابن عربي ، في الفتوحات وغيرها ، « لما » الشرطية لمجرد الإخبار عن « الزمان المطلق » في معرض حديثه عن الله ، من حيث وجوده ، أو من حيث شؤونه . لذلك فسرنا قوله هنا : « لما تعجب المتعجب » ؛ « تعجب المتعجب . . . » لأن « لما » لا جواب لها في سياق الكلام التالي . وكذلك قوله في مطلع « فص آدم » في كتاب « فصوص الحكم » : « لما شاء الحق . . . من حيث أسماؤه . . . » معناه : شاء الحق . . . من حيث أسماؤه . . . ( 2 ) - إشارة إلى حديث : « إن الله خلق آدم على صورته » وهو في مسند ابن حنبل 2 / 244 ، 251 ، 315 ، 323 ، 434 ، 463 ، 519 ، وفي صحيح البخاري : باب الاستئذان ، الحديث الأول ، وفي صحيح مسلم : باب البر ، الحديث رقم 115 ، وباب السنة ، الحديث رقم 28 ( ولفظه : فان الله . . . ) . وشبيه بهذا الحديث نجده في الفصل الأول من سفر التكوين ، من أسفار العهد القديم ، عند ذكر خلق آدم . ويري الأستاذ الكبير ، المأسوف عليه ، أبو العلا عفيفي ، أن « هذا القول ينسبه الصوفية خطأ إلى النبي - عليه السلام ! . » ( مقدمته على فصوص الحكم وتعليقاته عليها ، ص 35 ، البابي الحلبي ، القاهرة 1946 ) . ولكن ليس الصوفية هم الذين نسبوا ، وحدهم ، هذا القول إلى النبي . ( 3 ) - السريرة هنا بمعنى حقيقة الشئ وطبيعته الأصلية : فحقيقة الذي « خرج على الصورة » مخالفة ، من حيث الوجود والماهية « المتعجب » ، من حيث وجوده ومن حيث ذاته : فهي مخلوقة وهو خالق ، وهى ممكنة وهو واجب .